السيد هادي الخسروشاهي

119

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة

ولم يقف الأمر عند هذين الكتابين ، بل جاء من مثلهما الكثير ، وكثر كذلك الكلام هنا وهناك ، وكلّ هذا في جملته كان يحفّز الجماعة إلى أن تسعى لتحقيق ما حسبه البعض مستحيلًا . لقد كان أكثر الناس يسمِّي هذا النشاط « محاولة » هيهات أن تؤدّي إلى نتيجة ، وكان منهم من يرى هذه « المحاولة » مستحيلة . وكان فريق آخر يظنّها « سياسة » على المألوف من الذين تعوّدوا ألّا تنبع أفكارهم من ذوات نفوسهم ، مع وضوح أنّه لا يمكن أن يكون لسياسةٍ أجنبيةٍ ما رغبة في تجمّع على أساس وحدة المبادئ الدينية ؛ لثقتها بأنّ ذلك هو عين القضاء عليها . كلّ هذا كان دعاية نافعة لجماعة التقريب ، لفتت إليها الأنظار ، وجعلت كثيراً من الناس يدرسون فيعرفون فيصبحون جنوداً ، فكثر بذلك أنصارها ، وضمّ كثير من المفكّرين وعلماء الدين في مختلف البلاد جهودهم إلى جهودها ، وأصبحت هذه الجماعة التي تكوّنت في القاهرة مركزاً فكرياً علمياً أعضاؤه من أولي العلم وأصحاب التوجيه والرأي في العالم الإسلامي كله ، وضاقت الأرض على الأقلام المفرِّقة ونبّاشي القبور الذين لا هّم لهم إلّاتحريك الماضي المتعفّن ، وإثارة العواطف البغيضة . إنّ تكوين الجماعة نفسه كان توفيقاً ، لأنّهم هيّأوا للمسلمين مركزاً أيصلح للنظر في مشكلاتهم ، ويلتقي فيه رجال الإسلام من كلتا الطائفتين ، ويظلّه الهدوء وتقدير المصلحة ، ويسوده الوفاق لا الخصام . وكأنّ المسلمين بمشاكلهم الطائفية كانوا في ظلامٍ لا يرى بعضهم من بعضٍ إلّا أشباحاً مخيفة ، وكأنّ الجماعة أضاءت لهم ، لترى كلّ طائفة أختها على حقيقتها لا على وحي الظلام . ولقد كان للسان الجماعة : مجلّة رسالة الإسلام دور عظيم ، إذ جعلت توصل الفكرة إلى مكتبات العلماء ورجال الفكر ، وكان كلّ عدد منها يزيل الستار عن جزءٍ